الروائية د. نجاة عبد الصمد وتوليد الحكايا
ماذا لو لم يكن الأدب مجرد حكاية نرويها، بل عملية تجريف هادئة لكل ما تراكم فوق أرواحنا من صمت؟ في أعمال نجاة عبد الصمد، نحن لا نقرأ أحداثاً، بل نشهد تشريحاً دقيقاً لجسد المجتمع وخصوصا المرأة، ونراقب كيف تُصنع الهوية تحت ضغط العزلة والعطش. في هذه الحلقة، ندخل مختبر الدكتورة نجاة الأدبي لنفهم لماذا يبقى الواقع أبطأ من أحلامنا، وكيف يتحول النص إلى مرآة تكشف المسكوت عنه في تفاصيلنا اليومية. انضموا إلينا في رحلة لا تكتفي بمتابعة القصة، بل تتأمل الطريقة التي يتكوّن بها الإنسان من جديد.
إعداد وتقديم داريه فرمان & نهى سلوم
Von Darya Farman & Noha Salom
نجاة عبد الصمد: بين عيادة الطب النسائي وفضاء الرواية، تمسح الدكتورة نجاة عبد الصمد المسافات ببراعة نادرة. هي ليست مجرد روائية تسرد الحكايات، بل هي "جراحة" للروح والمجتمع، تستخدم لغتها الخاصة لكشف ما اعتدنا عليه وتفكيك البنى التي تشكل مصائرنا. وُلدت نجاة عبد الصمد في محافظة السويداء في سوريا، وانطلقت في رحلة علمية قادتها إلى الاتحاد السوفييتي سابقاً، حيث درست الطب وتخصصت في التوليد وجراحة الأمراض النسائية. هذا التكوين العلمي لم يكن مجرد مسار مهني، بل صار "العين" التي ترى بها العالم؛ فالطبيبة التي تلامس آلام النساء اليومية وتفهم أسرار أجسادهن، هي ذاتها الروائية التي تغوص في أعماق الشخصيات لتكشف عن تصدعاتها النفسية والاجتماعية.
يتسم مشروعها الأدبي بالتراكم والهدوء، حيث لا تبحث عن الإثارة العابرة بقدر ما تبحث عن "الحفر" في الهوية والانتماء. من أبرز أعمالها: لا ماء يرويها: الرواية التي توجت بـ جائزة كتارا للرواية العربية سنة (2018)، وهي ملحمة عن العطش بمعناه الوجودي والاجتماعي في بيئة الجنوب السوري.
بلاد المنافي: اشتغال مبكر على فكرة الاغتراب والبحث عن الذات.
غورنيكات سورية: توثيق أدبي للألم السوري والتحولات الكبرى التي عصفت بالبلاد.
خيط البندول: تتبع لحركة الزمن والمجتمع بين التقليد والحداثة.
أيتام الجبال: عمل يغوص في تفاصيل البيئة الجبلية، ملتقطاً نبض الناس وهواجسهم قبل الانفجارات الكبرى
نجد أن المرأة في أدب د. نجاة: كائن قيد التكوين، وليست "موضوعاً" جاهزاً أو شعاراً نسوياً مباشراً، بل هي مساحة للاشتباك بكل معانيه. لا يظهر الجسد الأنثوي في كتاباتها كحضور بيولوجي فقط، بل كلوحة سجل عليها المجتمع قيوده، وتاريخاً من الصمت والخوف المتوارث ليتك ذاكرة ثقيلة. كما تطرح نجاة رؤية نقدية للتعليم؛ فهو عندها ليس عصا سحرية للخلاص، بل هو أداة تزيد من حدة المواجهة بين وعي المرأة المتنامي وواقعها الاجتماعي المتصلب. وتركز نجاة على كيفية تشكل الأنثى داخل "شبكة العلاقات" (العائلة، اللغة، التوقعات)، حيث يمارس المجتمع سلطته ليس بالقمع المباشر دائماً، بل بالتفاصيل اليومية والبديهيات التي تخنق حرية الاختيار.
إن أدب نجاة عبد الصمد هو دعوة لـ "الإصغاء البطيء". هي تكتب لتؤجل الحكم على الأشياء، ولتمنح القارئ فرصة لرؤية "البنية" التي تصنع الإنسان قبل أن يصبح شخصية في رواية. في نصوصها، نكتشف أن أصعب أنواع التجريف هو ذلك الذي يستهدف قناعاتنا الراسخة حول هويتنا ومجتمعاتنا. وكأن نجاة ترمي للقارئ بطوق النجاة ليتعلم أن القراءة ليست نزهة في ذاكرة الغير، بل هي مواجهة شجاعة مع النفس. طوقها لا يسحبك إلى الشاطئ، بل يعلمك كيف تسبح ضد تيار المسلمات، وكيف تنجو من 'الصمت' الذي هو أعمق أنواع الغرق.