هل يعود التجنيد الإجباري في ألمانيا للرجال والنساء؟
إعداد وتقديم: داريه فرمان & نهى سلوم
هل تخيلت يوماً أن تخدم في الخدمة العسكرية في المانيا؟ هل انت مع تجنيد النساء؟ في هذه الحلقة، سنكشف لك كيف تحول الجيش الألماني إلى "وظيفة أحلام" براتب يبدأ من 2600 يورو ومزايا خيالية للشباب والشابات، وما الذي يدفع المغتربين العرب بين حماس الاندماج ومخاوف الهوية!
Von Darya Farman / Noha Salom
لم يكن أحد في ألمانيا، حتى وقت قريب، يتخيل أن يعود نظام الخدمة العسكرية إلى واجهة النقاش العام، ناهيك عن تحوله إلى قانون نافذ. فمنذ أن ألغت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل التجنيد الإجباري في عام 2011، اعتمد الجيش الألماني (Bundeswehr) بالكامل على نظام التطوع كمهنة اختيارية. لكن الرياح الجيوسياسية في أوروبا لم تأتِ بما تشتهيه السفن الألمانية؛ النقص الحاد في عدد الجنود، وعزوف الجيل الجديد عن الحياة العسكرية، وضعا برلين أمام حقيقة قاسية: الأمن القومي في خطر، والمجتمع بحاجة إلى استراتيجية دفاعية جديدة تماماً.
من هنا، ولدت الخطة الألمانية الجديدة التي لم تعد تشبه الأنظمة العسكرية التقليدية الصارمة، بل تحولت إلى ما يشبه "العرض الوظيفي المغري" الموجه للرجال والنساء على حد سواء، مما أثار موجة غليان وانقسام غير مسبوقة داخل الشارع الألماني، وبشكل أعمق داخل مجتمعات المغتربين العرب.
النموذج السويدي: كيف يعمل التجنيد الذكي؟ بدلاً من النظام القديم الذي كان يقتاد الشباب إجبارياً من بيوتهم إلى الثكنات، تبنت ألمانيا ما يُعرف بـ "النموذج السويدي المختلط". آلية العمل تبدأ رقمياً وبسيطة للغاية: عند بلوغ الشاب أو الفتاة سن الـ 18 عاماً، تصلهما رسالة رسمية في البريد تحتوي على استبيان إجباري (للرجال) واختياري (للنساء بسبب موانع دستورية تاريخية تحمي المرأة من التجنيد الإجباري في السلم). هذا الاستبيان يسأل بوضوح عن اللياقة البدنية، الاهتمامات، ومدى الاستعداد لخدمة البلاد. بناءً على الإجابات، يتم فرز النخبة والأكثر حماساً ولائمة، واستدعاؤهم للفحص الطبي العسكري (Musterung)، ليتم في النهاية اختيار ما بين 10 آلاف إلى 15 ألف مجند سنوياً للخدمة التي تبدأ من 6 أشهر كتدريب أساسي وتصل إلى سنة أو أكثر. لغة الأرقام والمزايا: العرض الذي يصعب رفضه الأجيال الجديدة (جيل Z وما بعده) لا تتحرك بالشعارات القومية الجافة، وألمانيا تدرك ذلك جيداً. لذلك، ضخت الحكومة ميزانيات ضخمة لتقديم حزمة حوافز مالية ومهنية غير مسبوقة.
بالنسبة لشاب أو فتاة في مقتبل العمر يبحثون عن استقلال مالي، فإن هذا العرض يمثل ضربة قاضية لسوق العمل التقليدي؛ فالصافي المالي يُعتبر "مصروف جيب نقي" لا تقتطع منه إيجارات أو فواتير طاقة. انقسام الشارع الألماني: معركة الهوية والسلام رغم هذه المغريات، فإن القرار يواجه مقاومة شرسة. ينقسم المجتمع الألماني اليوم إلى جبهتين: المؤيدون (المحافظون والاشتراكيون): يرون أن الجيش هو "مدرسة الأمة" التي تعيد الانضباط للشباب، وتعلمهم قيم المسؤولية وحماية الديمقراطية والتعددية في ظل عالم مضطرب. المعارضون (حركات السلام، الخضر، وأجنحة الشباب): يعبرون عن سخطهم عبر منصات التواصل (مثل تيك توك)، معتبرين أن الجيل الحالي عانى بما يكفي من أزمات التضخم والكورونا، ولا ينبغي "عسكرة" حياتهم. كما أن للألمان حساسية تاريخية مفرطة تجاه أي مظاهر قوة عسكرية بسبب إرث الحرب العالمية الثانية.
المغتربون العرب: بين فرصة الاندماج ومأزق الهوية داخل الجالية العربية الضخمة في ألمانيا (سواء من السوريين، العراقيين، المغاربة، أو المصريين الذين حصلوا أو يحصل أولادهم على الجنسية الألمانية)، يتخذ النقاش أبعاداً أكثر تعقيداً وحساسية:
1. تيار المتفائلين (بوابة الاندماج الذهبية): يرى الكثير من الشباب والمستشارين الاجتماعيين أن الانخراط في الجيش الألماني هو أسرع وأقوى صك للاندماج الكامل. فالخدمة في مؤسسة سيادية تمنح الشاب العربي "شرعية وطنية" لا غبار عليها أمام المجتمع وأصحاب العمل، وتصهر لغته الألمانية في بيئة احترافية، فضلاً عن بناء سيرة ذاتية (CV) فائقة القوة تفتح له أبواب كبرى الشركات لاحقاً.
2. تيار المتوجسين (فوبيا العسكرية ومعضلة الولاء): في المقابل، تعيش العديد من العائلات العربية حالة من التوجس الشديد، وتتلخص مخاوفهم في شقين: ثقافي وديني: التساؤل عن مدى احترام الخصوصية الثقافية داخل الثكنات (توفر الأكل الحلال، أوقات الصلاة، والتعامل مع مظاهر العنصرية المبطنة). سياسي وعقائدي: الكثير من المغتربين فروا من بلاد عانت من ويلاتها الحروب، ولديهم نفور طبيعي من "البدلة العسكرية". المعضلة الأكبر تكمن في الخوف من إرسال أولادهم ضمن قوات حلف الناتو إلى مناطق نزاع في الشرق الأوسط أو دول إسلامية، مما يضع الشاب في صراع وجودي وأخلاقي بين ولائه لوطنه الجديد وجذوره الدينية والقومية.
الرهان على صناديق البريد
ألمانيا اليوم تقف عند منعطف تاريخي يعيد صياغة مفهوم المواطنة والواجب الوطني. لم يعد التجنيد عقوبة أو واجباً جافاً، بل تحول إلى معادلة اقتصادية واجتماعية معقدة. المعركة الحقيقية للحكومة الألمانية لن تكون في ردهات البرلمان، بل في "صنايق البريد"؛ عندما يفتح آلاف الشباب والشابات خطابات التجنيد، ويضعون المزايا المالية والمهنية في كفة، ومخاوفهم وحريتهم الشخصية في الكفة الأخرى.