Darya Farman & Souha Dayeh

من الطائفية إلى العنصرية: رحلة السوري الباحث عن الإنسان

لم يعد السؤال "من أنت؟"، بل "من أين أنت؟". تحوّلت الطوائف إلى خنادق مغلقة، يُحاكم فيها الإنسان قبل أن يُولد، ويُحكم عليه بذنب لم يرتكبه. البعض وجد نفسه منبوذاً فقط لأن اسم عائلته يحمل دلالةً ما، أو لأن قريته نُسبت إلى طائفة معينة. حتى في المهجر، لاحقَتْ هذه العلامات السوريين، فصار اللاجئ يُقيم في مخيماتٍ وفقاً لخريطةٍ طائفية، أصبح رقماً أو ملفاً، وصار قبوله أو رفضه في مجتمعات اللجوء مرتبطاً أحياناً بتلك التصنيفات الموروثة.
عن هذا الموضوع اليوم معنا سهى دايه نتحدث عنه

Von Darya Farman

لا يُولدُ الإنسانُ طائفياً، ولا عنصرياً، ولا حاملاً في قلبهِ بذورَ الكراهية. يُولدُ طفلاً يبحثُ عن دفءِ الأم، عن صوتٍ يُناغيه، عن يدٍ تمسكُ يدهُ فلا تتركها تسقط. لكنّ العالمَ من حوله يبدأُ بترسيمِ الحدود: هذه هويّتُك، وهذا لونُك، وهذا اسمُك، وهذه "وصمَتُك". في لحظةٍ ما، تحوّلَ السوريُّ من إنسانٍ يُشاركُ الآخرينَ أحلامَهم، آلامَهم، وأفراحَهم، إلى مجرّدِ "وصمة". صارَ لوناً واحداً في عيونِ من لا يرونَ إلا الألوان. صارَ اسماً يُختزلُ في سخريةٍ، أو خوفٍ، أو نظرةِ شكّ. لم يعُدْ ذلك الجارَ الذي يُعيرُك ملحاً حين ينقصُ بيتُك، ولا الصديقَ الذي يضحكُ معك على موقفٍ مضحك، ولا الغريبَ الذي يروي لك قصّتَه في محطّةِ انتظار. صارَ رقمًا في إحصائية، أو صورةً نمطيةً في رأسِ من لا يعرفونه. الطائفيةُ والعنصريةُ ليستا إلّا جدراناً يبنيها الخوفُ من المجهول. حينَ لا نعرفُ الآخرَ، نختزلهُ إلى فكرةٍ جاهزة. لكنّ الإنسانَ لا يُختزل. وراءَ كلِّ "وصمة" تُلصقُ به، هناكَ قلبٌ ينبضُ، وذاكرةٌ تحملُ ذكرياتٍ من الفرحِ والألم، ويدانِ تعملانِ لبناءِ حياةٍ أفضل. هناكَ طفلٌ ربّما فقدَ بيتَه، وشابٌّ يحلمُ بمستقبلٍ، وعجوزٌ يحنُّ إلى زمنٍ كانَ فيهِ العالمُ أكثرَ رحابة.

Frauen

الأقسى من ذلك، أن بعض السوريين تبنوا هم أيضاً خطاباً عنصرياً ضد بعضهم البعض. فصار التمييز بين "ابن العاصمة" و"ابن الريف"، بين "المتعلم" و"الفلاح"، بين من هرب بطائرةٍ ومن عبر البحر. حتى اللهجات صارت أداةً للتفريق بين "الناس" و"الآخرين". الطائفية والعنصرية ليستا جزءاً من جينات السوريين، بل هما نتاجُ نظامٍ غذّى الانقسامات، وحروبٌ حوّلت الاختلاف إلى عدو. لكن في العمق، يعرف السوريون أنهم صنعوا معاً تاريخاً مشتركاً، وتقاسموا نفس الأفراح والأتراح لقرون. في أصعب لحظات الحرب، كانت هناك قصصٌ لم تُروَ عن مسيحيين حمى جيرانهم المسلمين، وعن أكرادٍ فتحوا بيوتهم لعربٍ نزحوا من دمار المدن، وعن علويين ودرزٍ وسُنّة اختبأوا في نفس الملاجئ من القصف. ننسى أحياناً أنّ الوصمَ ظلمٌ مزدوج: فهوَ لا يجرحُ من يُوصَمُ فحسب، بل يفقرُنا نحنُ أيضاً، ويُضيّقُ عالمنا. كلّما حكمنا على إنسانٍ من خلالِ هويةٍ أو جنسية، خسرنا فرصةَ أن نعرفَ قصةً تُضيفُ إلى حياتنا عمقاً، أن نرى العالمَ من عيونٍ أخرى. السوريُّ، مثلُ أيِّ إنسانٍ آخر، ليسَ قصّةً واحدة. هوَ آلافُ القصصِ التي لم تُحكَ بعد. هوَ ليسَ "مشكلة" يجبُ حلُّها، بل إنسانٌ يجبُ أن يُستمعَ إليه. لنكسرْ معاً هذهِ الجدران. فلننظرْ إلى بعضنا كأرواحٍ قبلَ أن ننظرَ كأوطان. فالكراهيةُ لا تحتاجُ إلى شجاعة، لكنّ التعاطفَ يحتاج. والحبُّ، في النهاية، هو الثورةُ الحقيقية.

من الطائفية إلى العنصرية: رحلة السوري الباحث عن الإنسان

COSMO bel arabi 27.06.2025 36:00 Min. Verfügbar bis 27.06.2026 COSMO Von Darya Farman


Download