الفن كجسر للنساء المهاجرات
ماذا نعرف عن الفن بكل فروعه، الرسم والرقص والكتابة والطباعة وكل ما يخطر على بال من مواهب فنية تعبر عن النفس الإنسانية؟ ماذا نعرف عن كونه متنفس للروح والجسد سوية؟ كيف لهذا التعبير ان يكون ملاذا لروح منكسرة في الغربة وجسرا إلى برا الامان أو حتى لبعضنا طوق نجاة من دوامة العيش وخصوصا في ألمانيا. عن هذا الموضوع في حلقتنا هذه تتحدث معنا أيضا ضيفات مميزات عن تجاربهم في الفن.
إعداد وتقديم داريه فرمان & نهى سلوم
Von Darya Farman & Noha Salom
لفن: الجسر الذي نصنعه بأيدينا وأرواحنا في البداية، تكون الغربةُ غيمةً كثيفةً من الصمت. أصواتٌ غريبة، وجوهٌ سريعة، وشوارعٌ لا تحكي قصةَ وطن. هنا، في قلب هذه الضوضاء الصامتة، تبدأ الروح بالانكسار شيئًا فشيئًا. لكن في زاوية من زوايا القلب، هناك بذرةٌ خفية تنتظر أن تُروى. هذه البذرة هي الفن. الفن ليس ترفًا. إنه ذلك النبض العميق الذي يخرج من أعماق الإنسان ليصرخ، ليحلم، ليشتاق، أو ببساطة ليقول: "أنا هنا". للنساء المهاجرات على وجه الخصوص، يصبح الفن أكثر من موهبة؛ إنه متنفس، وملاذ، وجسرٌ بطرفين: أحدها يصل إلى الماضي والوطن والحنين، والآخر يمتد إلى مستقبلٍ جديدٍ يصنعنه بأيديهن.
تلك المرأة التي تمسك فرشاةَ الرسم، لا ترسم لوحةً فحسب، بل ترسم حدود وطنٍ مؤقت على القماش. الألوان التي تستخدمها قد تكون ألوان علم بلدها، أو ألوان سماء المدينة الجديدة، أو مجرد انعكاسٍ لحالتها التي لا تستطيع شرحها بكلمات. الرسم يصبح لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة. وهي التي تبدأ بالرقص في غرفتها الصغيرة، لا تؤدي حركاتٍ جميلةً فقط، بل تعيد اكتشاف جسدها في فضاءٍ جديد. من خلال إيقاع الموسيقى، تتحرر من ثقل الغربة وتجد قوتها من جديد. كل حركة هي هزيمة للخوف، وكل دوران هو تذكير بأن جسدها لا يزال حيًّا، ينبض بالحياة والقصة. وهي التي تكتب، سواءً في دفتر سري أو على منصةٍ الكترونية، تصب كلَّ مشاعرها في سطور. الكلمات تصبح مرآةً لروحها، تبث فيها الحزن أحيانًا والأمل أحيانًا أخرى. من خلال الكتابة، تبني جسرًا من الحبر إلى قلوب أخريات يشعرن بنفس الشعور، فيجدن في كلماتها عزاءً ورفقة. حتى الفنون الحرفية، مثل الطباعة أو النسيج، تصبح طوق نجاة. حركة اليد المتكررة، خلق شيء جميل من لا شيء، هي نوع من التأمل والنظام في وسط فوضى الحياة. إنها تذكر المرأة بأنها قادرة على الخلق، على الإضافة، على أن تكون جزءًا من نسيج هذا المجتمع الجديد، حرفيًا ومجازيًا.
هنا في ألمانيا، حيث يمكن للعزلة والروتين أن يبتلعا الروح، يصبح الفن هو الوسيلة لاستعادة الذات. في ورشات الرسم الجماعية، أو دروس الرقص، أو مجموعات الكتابة، لا تتعلم النساء مهارة جديدة فحسب، بل يجدن مساحة آمنة للقاء الآخرات ممن يحملن قصصًا مشابهة. هنا، تتحول الغربة من تجربة مؤلمة إلى رحلة جماعية. يصبح الفن اللغة المشتركة التي تسبق تعلم اللغة الألمانية، فهو لغة الإنسانية الأساسية. الفن، في النهاية، هو ذلك الجسر الذي لا يربط بين الماضي والمستقبل فقط، بل يربط المرأة بنفسها أولاً. يذكرها بمن هي، ما تحبه، وما تحلم به. وهو الجسر الذي يمدّه نحو المجتمع، لتعبر عليه حاملةً هويتها وثقافتها وروحها، لا كمهاجرة فحسب، بل كفنانة، كصانعة جمال، كإنسانة قادرة على أن تلمس العالم بطريقتها الفريدة. في كل فرشاة ترفع، وكل خطوة رقص، وكل كلمة تكتب، هناك روح تلتئم. هناك إنسانة تبني لنفسها بر الأمان.
السيدات ضيوف الحلقة: اية عبد الحي، فرج النيحاوي ويارا وهبي نشكرهم على المشاركة القييمة في هذا البودكاست