ذاكرة لا تهاجر
في عالمٍ نغادر فيه الأماكن، تبقى الذاكرة هي الوطن الذي يسكننا. الأعياد ليست مجرد تواريخ، بل حكايات نحملها في قلوبنا، كالفصح إلى رأس السنة الآشورية. لكن ماذا يحدث لهذه الحكايات عندما نعيش بعيداً عن أرضها؟ كيف نحافظ على هويتنا وننقلها لأبنائنا في مجتمعات جديدة؟ في هذا البودكاست، نفتح معاً باب الذاكرة… لنكتشف كيف يمكن للثقافة أن تبقى حيّة، حتى في الغربة.
إعداد وتقديم: دارية فرمان &نهى سلوم
Von Darya Farman & Noha Salom
نعيش اليوم زمننا نضطر فيه أن نغادر الأماكن، قسراً أو اختياراً، لا نأخذ معنا فقط حقائبنا… بل نحمل عالماً كاملاً غير مرئي، اسمه الذاكرة. نغلق باب البيت الأخير، لكن تبقى أبوابٌ مفتوحة في داخلنا: صوت الأم وهي تنادي، رائحة الخبز في صباح العيد، ضحكات العائلة، وملامح الشوارع التي كانت تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا. الأعياد تحديداً… ليست مجرد تواريخ على التقويم، بل لحظات تختصر من نكون. في الفصح، هناك قيامة لا تخص فقط الإيمان، بل تخص الإنسان نفسه… الأمل بعد التعب، والنور بعد العتمة. وفي رأس السنة الآشورية، هناك تاريخ يمتد لآلاف السنين، يحتفل بالحياة والتجدد، وكأن الأجداد يهمسون لنا: "نحن هنا… ما دمتم تتذكرون".
لكن في المهجر، يتغير كل شيء.
تصبح الأعياد أصغر، أهدأ، وأحياناً أكثر وحدة. قد تمر الأيام دون أن نشعر بذلك الزخم القديم، دون تلك الطقوس التي كانت تمنح العيد روحه. وهنا يبدأ السؤال الذي لا نطرحه دائماً بصوت عالٍ: هل العيد مرتبط بالمكان؟ أم أنه يسكن فينا نحن؟ بين جيلٍ يتذكر، وجيلٍ يولد في عالمٍ جديد، تتشكل هوية معلّقة بين لغتين، بين عادتين، بين ذاكرةٍ تُروى وتجربةٍ تُعاش. كيف نُبقي هذه الذاكرة حيّة؟ كيف نحكيها لأطفالنا، لا كقصة بعيدة، بل كجزء منهم؟ وهل يكفي أن نتذكر… أم يجب أن نعيد خلق الطقوس، حتى لو كانت مختلفة، حتى لو كانت بسيطة؟
وربما هنا، نحتاج أن نتوقف قليلاً… وأن نُصغي لصوتٍ أكاديمي يساعدنا على فهم أعمق لما نحمله من أسئلة. في هذه الحلقة، ينضم إلينا الدكتور يوسف كورية الحاصل على شھادة الدكتورة من جامعة برلین الحرة قسم الفلسفة واللغات السامیة، ليأخذنا في رحلةٍ بين التاريخ والدين والثقافة، ليتحدث معنا – وبهدوء الباحث – عن مجموعة من الأسئلة:
هل نحن أمام عيدٍ واحد بجذورٍ مشتركة، أم عيدين مختلفين في المعنى بين اليهودية والمسيحية، خاصة مع ارتباطه بقصة يسوع المسيح؟ ولماذا وقعت حادثة صلب المسيح خلال عيد الفصح اليهودي تحديدًا؟ هل كان ذلك بدوافع دينية خالصة، أم أن السياسة الرومانية، بقيادة بيلاطس البنطي، لعبت دورها في هذا الحدث المفصلي؟
وإذا ذكرنا الآشوريين، نصل إلى عيد “أكيتو” – رأس السنة الآشورية – فما أصل هذا العيد، وما رمزيته، وكيف استطاع أن يستمر عبر آلاف السنين؟ وهل ما زال يحمل حضورًا حيًا اليوم، أم أنه مهدد بالنسيان؟
وأخيراً… نعود إلى سؤالنا الإنساني الأهم: في ظل الهجرة والعيش في مجتمعات جديدة، كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على “ذاكرة الثقافة” دون أن ينغلق على نفسه؟ كيف نوازن بين الاندماج والهوية؟ وهل يمكن للذاكرة الثقافية أن تعيش خارج أرضها… أم أنها تذبل تدريجياً كلما ابتعدت عن جذورها؟
كما تنضم إلينا السيدة فاتن حنا وهي خريجة كلية بابل للفلسفة واللاهوت، لنحكي عن الأعياد. عن الفقد، عن التحول، وعن تلك المحاولات الصغيرة التي نقوم بها لنقول: نحن مازلنا هنا. كنا تشاركنا بترتيلة باللغة الآشورية بصوتها العذب...
وفي النهاية، لا يسعنا إلا القول أن الهجرة ليست فقط انتقالاً من مكان إلى آخر… بل اختباراً عميقاً لما نختار أن نحمله معنا، وما نخشى أن نفقده بصمت.
في هذا البودكاست، نفتح معاً هذه المساحة الصادقة بين الحنين والواقع… نحكي عن الأعياد، عن الفقد، عن التحوّل، وعن تلك المحاولات الصغيرة التي نقوم بها لنقول: نحن ما زلنا هنا. لأن الذاكرة لا تُهاجر… لكنها تحتاج منّا أن نحميها، أن نرويها، وأن نعيشها… مرةً أخرى، وبطرقٍ جديدة.